هشام جعيط
102
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وراء العلامات ، أما داخلها فإن سعدا ترك فناء ( والمقصود خلاء عاريا ) للمسجد والقصر « 1 » . هناك إشارة وحيدة إلى الأعمدة وهي قول البلاذري في الكتاب نفسه : « وكان زياد يقول : أنفقت على كل أسطوانة من أساطين مسجد الكوفة ثماني عشرة ومائة » « 2 » . لكن لا بد من الانتباه إلى أنه يذكر في رواية أخرى أن اقتطاع أساطين الحجر من جبل الأهواز جد من أجل مسجد البصرة وفي فترة متأخرة نسبيا « 3 » . أما ياقوت ، فكان واضحا في هذا الموضوع ، فقال إنه وقع جلب الأعمدة من الأهواز وصنعها ، في ولاية زياد « 4 » . إن كلّ ما أوردناه لا يناقض سيفا بصفة واضحة لا مراء فيها ، ويبقى نصّ سيف من أكمل مصادرنا ، إنّما يدب فينا الشعور بأن زيادا هو الذي منح المسجد جهازه المعلمي من كل الوجوه . أما العنصر الوحيد المؤيد لرواية سيف فهو أن المرحلة الأولى بالنسبة للمسجد كما بالنسبة للقصر كانت تحت تأثير الحيرة ، في حين أن مرحلة زياد كانت فارسية بدون ريب . لو أضفنا إلى كل هذا ما هو معروف عن البصرة ، وأن هناك شعورا ضعيفا بالهندسة المعمارية العظيمة عند العرب ، وهو افتراض صحيح ، لرجحنا ليس فكرة انعدام أي بناء للمسجد زمن سعد ، إنّما فقدان بناء شامل للمسجد يطمح إلى العظمة والاكتمال والانسجام المعماري . القصر : لنبدأ باستفهام علم الآثار . فهو يشهد بوضوح ، كما مر بنا ، على وجود مستوى سبق العصر الأموي ، دون أن نعلم هل أن العصر الأموي يبدأ مع زياد أو مع عبد الملك ، لأن المصادر المكتوبة تؤكد أن الخليفة عبد الملك هدم كل شيء وأعاد بناءه بعد ثورة مصعب « 5 » . فيمكن لذلك أن توافق الفترة الأولية ما قام به زياد كما قد توافق ما قام به السابقون له . لكن من هم ؟ سعد أم المغيرة ؟ لم يتحدث سيف عن المغيرة إطلاقا . تؤكد الحفريات الأثرية أن المستوى الأول يشهد بآثار خاصة بأسس وحدة أصلية واحدة ، كانت مربعة الشكل بقياس 95 ، 113 مترا على 86 ، 113 مترا « 6 » . إنها أسس لاسوار مهدومة ، لكن يظهر أن البنائين اللاحقين عادوا إليها ليشيدوا فوقها أسوارا جديدة ،
--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 275 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 275 . لا يتكلّم البلاذري عن أساطين ولا عن أي بناء زمن سعد . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 276 . ( 4 ) معجم البلدان ، ج 4 ، ص 491 . ( 5 ) البراقي ، تاريخ الكوفة ، ص 66 وما بعدها . ( 6 ) محمد علي مصطفى ، مرجع مذكور ، ص 60 .